تشهد إيران موجة جديدة من الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية مع تسارع التضخم وانهيار قيمة العملة الوطنية، ما أعاد مشاهد الاحتجاج إلى الشوارع بعد فترة هدوء نسبي.
ومع اتساع رقعة الغضب الشعبي، تحوّلت الإضرابات المطلبية والاحتجاجات المعيشية إلى تعبير سياسي أوسع عن السخط من أداء القيادة الحاكمة، في أخطر تحدٍ داخلي منذ احتجاجات «المرأة، الحياة، الحرية» عامي 2022-2023.
وخلال الأيام الماضية، خرج أصحاب متاجر وتجار وشرائح واسعة من المواطنين في طهران ومدن كبرى مثل مشهد وأصفهان وكرمان وفلاورجان، احتجاجاً على الارتفاع المتسارع في أسعار السلع الأساسية والانخفاض الحاد في قيمة الريال الإيراني، الذي بلغ مستويات تاريخية متدنية.
وأفاد متظاهرون بأن الأسعار لم تعد ثابتة لأسبوع، بل تتغير أحياناً خلال يوم واحد، ما جعل التخطيط للإنفاق اليومي شبه مستحيل.
يقول ماني، وهو شاب يبلغ 27 عاماً من مدينة مشهد شارك في التظاهرات الأخيرة، إن «الأسعار تضاعفت خلال أيام قليلة»، متسائلاً: «كيف يمكن لعائلة عادية أن تعيش في ظل هذا الانهيار؟ لو كان هناك حكّام مسؤولون لما وصلنا إلى هذا الوضع».
وتعكس شهادته حالة عامة من الإحباط لدى فئات واسعة ترى أن الأزمة تجاوزت حدود الضغوط الخارجية لتصبح نتيجة مباشرة لسوء الإدارة والفساد.
في طهران، تصف مريم (55 عاماً) كيف اضطرت إلى تأجيل شراء زيت الطهي بسبب ارتفاع سعره، قبل أن تفاجأ بعد أيام قليلة بأن السعر تضاعف أكثر من مرتين.
وتقول: «هل تضاعف دخلي خلال ثلاثة أيام حتى أستطيع شراء زيت؟ حياتنا أصبحت غير قابلة للإدارة».
وأقرت السلطات الإيرانية بوجود استياء شعبي، لكنها حمّلت «أطرافاً خارجية» مسؤولية ما وصفته بمحاولات استغلال الأوضاع الاقتصادية لإشعال الفوضى.
ومع ذلك، قمعت قوات الأمن الاحتجاجات في عدة مناطق، مستخدمة الغاز المسيل للدموع، وفي بعض الحالات الذخيرة الحية، ما أدى إلى اشتباكات عنيفة.
وتشير منظمات حقوقية تتابع الأحداث إلى سقوط عشرات القتلى، مع تقديرات تتراوح بين 25 و38 شخصاً، بينهم قاصرون، إضافة إلى آلاف المعتقلين.
في المقابل، أعلنت السلطات مقتل اثنين من أفراد الأجهزة الأمنية وإصابة أكثر من 12 آخرين، من دون تقديم حصيلة رسمية لضحايا المتظاهرين.
وقال المرشد الأعلى علي خامنئي في خطاب الأسبوع الماضي إن الانتقادات «مسموحة»، لكنه شدد على ضرورة «إعادة مثيري الشغب إلى مكانهم». وبعده بأيام، صعّد رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجي لهجته، متهماً المتظاهرين بخدمة «العدو»، ومتوعداً بعدم التساهل مع من يشاركون في الاضطرابات.
غير أن كثيرين من المحتجين يرفضون هذه الرواية. ويقول ماني: «في كل مرة نخرج لأننا لم نعد قادرين على العيش، يتهموننا بأننا عملاء لإسرائيل أو لوكالة المخابرات المركزية». ويرى آخرون أن تصريحات المسؤولين زادت من حدة الغضب بدل احتوائه.
وتبرز داخل الاحتجاجات انقسامات حول مستقبل البلاد السياسي. فقد رُفعت في بعض المدن شعارات مؤيدة لرضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران، باعتباره بديلاً للنظام الحالي، فيما يعارض آخرون أي عودة إلى الملكية.
وتقول مينا (42 عاماً) من طهران إنها ترفض «الدكتاتورية الدينية» لكنها تخشى استبدالها «بدكتاتورية ملكية».
ورغم هذه الخلافات، يتفق كثير من المحتجين على أن الأولوية الآن هي كسر دائرة التدهور الاقتصادي. ويقول مهدي (31 عاماً) من فلاورجان: «أُهدرت حياتنا وشبابنا، والآن يهددوننا. لم يبقَ لدينا ما نخسره».
ويرى مراقبون أن القيادة الإيرانية، التي واجهت موجات احتجاج متكررة خلال العقد الأخير، اعتادت الجمع بين القمع وتقديم تنازلات محدودة.
لكنهم يحذرون من أن هذه الجولة قد تكون مختلفة، إذ إن الاحتجاجات المتفرقة في عشرات المدن، وإن بدت صغيرة منفردة، قد تتقاطع لتشكل حركة أوسع قادرة على زعزعة أركان النظام إذا استمرت الأزمة الاقتصادية في التفاقم.