اتفاقية مكة تعيد رسم موازين الأمن الإقليمي وتمنح تركيا والسعودية وباكستان ثقلاً استراتيجياً جديداً

15

تمثل اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان، تحولاً استراتيجياً في بنية الأمن الإقليمي، مع اتجاه الدول الثلاث إلى بناء إطار دفاعي جديد يعكس التحولات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ويعزز حضورها في النظام الدولي متعدد الأقطاب.

ويرى محللون أن الاتفاقية لا تقتصر على تعزيز التعاون العسكري بين الدول الثلاث، بل تؤسس لشبكة أمنية أوسع قد تتطور مستقبلاً إلى إطار دفاع جماعي بين عدد من الدول الإسلامية، في ظل تزايد التحديات الأمنية وتراجع الاعتماد الحصري على المظلات الأمنية التقليدية.

وبالنسبة لتركيا، توسع الاتفاقية نطاق شراكاتها الأمنية التي سبق أن بنتها مع عدد من الحلفاء في قطر وسوريا وليبيا، لتضيف إليها السعودية بما تمثله من ثقل اقتصادي وسياسي، إلى جانب باكستان باعتبارها قوة نووية تمتلك خبرة عسكرية كبيرة، وهو ما يعزز قدرات أنقرة على الردع ويمنحها عمقاً استراتيجياً جديداً.

كما ترسخ الاتفاقية، وفق التقديرات، مبدأ رفض قيام القوى الخارجية بإعادة تشكيل النظام السياسي في المنطقة بصورة أحادية، وهو توجه تتبناه الدول الثلاث باعتباره أحد أسس الحفاظ على التوازنات الإقليمية ومنع فرض ترتيبات جديدة بالقوة.

وتنظر السعودية إلى الاتفاق باعتباره أحد أدوات تعزيز الردع الإقليمي في مواجهة التحديات الأمنية، وفي مقدمتها التهديدات الإيرانية، بينما ترى باكستان في الاتفاقية فرصة لتعزيز موقعها الاستراتيجي في ظل التنافس المستمر مع الهند، إضافة إلى توسيع حضورها داخل المنظومة الأمنية للشرق الأوسط.

أما تركيا، فتعتبر أن انضمام قوة اقتصادية بحجم السعودية، إلى جانب دولة نووية مثل باكستان، يرفع من مستوى الردع الذي تمتلكه في ظل تصاعد التوتر مع إسرائيل، خصوصاً بعد التصريحات المتبادلة بين مسؤولين من الجانبين بشأن احتمالات المواجهة مستقبلاً.

ويعتقد خبراء أن الاتفاقية قد تمهد أيضاً لإنشاء منظومة دفاع جوي جماعية وآليات أمنية مشتركة للتعامل مع التهديدات المتزايدة التي تواجه المنطقة، سواء القادمة من إيران أو إسرائيل، بما يرفع مستوى التنسيق العملياتي والعسكري بين الدول الثلاث.

كما يتوقع أن تحقق الدول الموقعة مكاسب مباشرة في مجالات الصناعات الدفاعية، ونقل التكنولوجيا العسكرية، والتدريب المشترك، وتبادل الخبرات، في حين يرجح أن تكون الصناعات الدفاعية التركية من أكبر المستفيدين عبر توسيع أسواقها وفتح مجالات جديدة للتعاون والإنتاج المشترك.

وعلى المستوى الاقتصادي، يرى مختصون أن الاتفاقية قد تمنح تركيا موقعاً أكثر تأثيراً داخل شبكات الطاقة والتجارة الممتدة بين الهند وأوروبا، إذ غالباً ما تؤدي الشراكات الدفاعية إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، وتوفير بيئة أكثر استقراراً للمشروعات الإقليمية الكبرى.

وفي المقابل، تعزز الاتفاقية مكانة باكستان داخل المنظومة الأمنية الجديدة في الشرق الأوسط، خاصة أنها تأتي بعد فترة قصيرة من توقيع اتفاق دفاعي ثنائي مع السعودية، وفي وقت تعمل فيه إسلام آباد على توسيع تعاونها العسكري مع عدد من الدول العربية، بينها مصر والأردن.

وتمنح الاتفاقية باكستان، بوصفها الدولة الإسلامية الوحيدة المالكة للسلاح النووي، ثقلاً سياسياً إضافياً على الساحة الدولية، كما تدعم مساعيها لتقديم نفسها باعتبارها شريكاً أمنياً مؤثراً ولاعباً مسؤولاً في القضايا الإقليمية والدولية.

وتكتسب هذه المكاسب أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباط المصالح الباكستانية بصورة وثيقة بمنطقة الشرق الأوسط، التي تمثل المصدر الرئيسي لوارداتها من النفط والغاز، وتستضيف ملايين العمال الباكستانيين، فضلاً عن احتضانها عدداً من أهم شركائها السياسيين والأمنيين.

كما يرى مراقبون أن الاتفاقية قد تسهم في تعزيز العلاقات بين باكستان والولايات المتحدة، إذ يتوقع أن تنظر إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإيجابية إلى أي ترتيبات إقليمية تزيد من قدرة الحلفاء على تحمل مسؤولياتهم الأمنية، وتخفف العبء المباشر عن واشنطن في إدارة أزمات المنطقة.

وفي المدى الأبعد، قد تستخدم إسلام آباد هذه الاتفاقية، إلى جانب اتفاقها الدفاعي السابق مع السعودية، لتأكيد أهميتها الاستراتيجية لدى الولايات المتحدة، سواء في حال استمرار التوتر مع إيران أو عودة التصعيد العسكري في المنطقة، بما يعزز دورها كلاعب إقليمي يصعب تجاوزه في معادلات الأمن والاستقرار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.