إدارة ترامب تدفع بشركاتها لإعادة إعمار الخليج بعد الضربات الإيرانية وسط تحفظات إقليمية

57

تضغط إدارة دونالد ترامب باتجاه منح الشركات الأمريكية دوراً محورياً في إعادة إعمار البنية التحتية في دول الخليج التي تضررت جراء الضربات الإيرانية، في إطار توجه سياسي واقتصادي يعكس أولوية المصالح الأمريكية ضمن سياسة “أمريكا أولاً”، وسط انتقادات من مسؤولين عرب اعتبروا هذا التحرك “غير مراعٍ للظروف”.

وتأتي هذه التحركات في أعقاب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتي خلّفت أضراراً واسعة في منشآت الطاقة والبنية التحتية في عدد من دول الخليج، أبرزها الكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة، بحسب ما أفادت به مصادر أمريكية وعربية مطلعة.

وتركّز واشنطن في اتصالاتها مع هذه الدول على إبراز أهمية الشراكة الاقتصادية، مع الدفع باتجاه إشراك شركات أمريكية في مشاريع إعادة الإعمار، خاصة في قطاعات الهندسة والبناء والطاقة، مستفيدة من حجم الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية.

وتشير تقديرات شركة ريستاد إنرجي إلى أن تكلفة إصلاح البنية التحتية المرتبطة بالطاقة في الخليج قد تصل إلى نحو 39 مليار دولار، ما يجعل من عملية إعادة الإعمار فرصة اقتصادية ضخمة تسعى الولايات المتحدة إلى الاستفادة منها.

ويرى مسؤولون أمريكيون أن هذا التوجه جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز النفوذ الاقتصادي الأمريكي في المنطقة، من خلال ربط الدعم الأمني والتعاون العسكري بفرص اقتصادية للشركات الأمريكية، في ظل تنافس دولي متزايد على مشاريع إعادة الإعمار.

في المقابل، عبّر مسؤول عربي عن تحفظه على هذا النهج، معتبراً أن توقيته “غير مناسب”، في ظل استمرار التوترات الأمنية والمخاوف من تجدد التصعيد العسكري، إضافة إلى القلق بشأن التزامات واشنطن تجاه أمن المنطقة.

ولا يزال وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران هشاً، مع استمرار الخلافات حول مضيق هرمز وفرض حصار متبادل، ما يخلق حالة من عدم اليقين تؤثر على خطط التعافي وإعادة الإعمار في دول الخليج.

وتكشف المعطيات أن الدول الأكثر تضرراً هي أيضاً الأكثر عرضة للتأثر بأي تصعيد جديد، خاصة تلك التي تعتمد بشكل كبير على مضيق هرمز كممر رئيسي لصادراتها، في حين تتمتع المملكة العربية السعودية بمرونة نسبية بفضل امتلاكها خطوط أنابيب بديلة عبر البحر الأحمر.

فقد تعرضت الكويت لسلسلة من الضربات الإيرانية التي استهدفت مواقع عسكرية وبنية تحتية حيوية، بما في ذلك مطار الكويت الدولي ومحطات لتوليد الطاقة وتحلية المياه، ما أدى إلى أضرار كبيرة في قطاعات حيوية.

كما شهدت البحرين أضراراً واسعة، حيث استُهدف ميناؤها الرئيسي الذي يستضيف الأسطول الخامس الأمريكي، إلى جانب منشآت صناعية، من بينها مصفاة بابكو ومصهر ألومنيوم البحرين، ما دفع هذه المنشآت إلى إعلان حالة القوة القاهرة نتيجة الخسائر.

وامتدت الهجمات لتشمل البنية الرقمية، حيث تعرضت خدمات الحوسبة السحابية التابعة لشركة أمازون في البحرين لهجمات، ما يعكس طبيعة الصراع المتعددة الأبعاد، والتي تشمل البنية التحتية الرقمية إلى جانب المنشآت التقليدية.

وفي الإمارات العربية المتحدة، أفادت تقارير بتعرضها لهجمات مكثفة شملت صواريخ باليستية وطائرات مسيرة، ما أدى إلى أضرار واسعة، رغم قدراتها الدفاعية المتقدمة.

ورغم امتلاك دول الخليج موارد مالية ضخمة، بما في ذلك صناديق ثروة سيادية تقدر بتريليونات الدولارات، فإن المخاوف من تداعيات اقتصادية طويلة الأمد تدفعها إلى البحث عن شراكات دولية لإعادة الإعمار، مع الحفاظ على توازن في علاقاتها الاقتصادية.

في هذا السياق، أشار وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إلى أن دول الخليج تسعى للحصول على خطوط مقايضة عملات مع الولايات المتحدة، ما يتيح لها الوصول إلى الدولار في ظل تراجع عائدات الطاقة نتيجة تعطل الصادرات.

ويرى مراقبون أن واشنطن قد تسعى إلى ربط هذه التسهيلات المالية بإشراك الشركات الأمريكية في مشاريع إعادة الإعمار، في صيغة تشبه “التبادل الاقتصادي” بين الدعم المالي والفرص الاستثمارية.

وتعكس هذه التحركات محاولة أمريكية لإعادة تشكيل المشهد الاقتصادي في الخليج بعد الحرب، مع توظيف النفوذ السياسي والعسكري لتعزيز حضور الشركات الأمريكية في مشاريع استراتيجية.

وبحسب مراقبين فإن ملف إعادة الإعمار قد يتحول إلى ساحة تنافس دولي، في ظل اهتمام قوى أخرى بالدخول إلى السوق الخليجية، ما يضع دول المنطقة أمام خيارات معقدة بين الشراكات الاقتصادية والاعتبارات السيادية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.