تدفع أزمة الخليج المستمرة وموجات الحرارة القياسية العالم إلى إعادة النظر في مستقبل الطاقة، وسط جدل متصاعد بين الحاجة إلى تأمين إمدادات النفط والغاز وتسريع الانتقال نحو مصادر الطاقة النظيفة.
وتأتي هذه التحولات في وقت تواجه فيه دول عدة ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع درجات الحرارة واضطراب أسواق الطاقة، ما جعل قضية أمن الطاقة أكثر ارتباطاً بتغير المناخ والصراعات الجيوسياسية.
ويرى خبراء الطاقة أن الأزمة الحالية كشفت هشاشة النظام العالمي، بعدما أدى اضطراب الملاحة في الخليج إلى نقص في الإمدادات وارتفاع الأسعار، بالتزامن مع موجات حر غير مسبوقة ضربت مناطق واسعة.
وسجلت المملكة المتحدة هذا العام أعلى درجات حرارة لشهر مايو، بينما شهدت أوروبا ارتفاعاً تجاوز المعدلات الطبيعية بما بين 10 و15 درجة مئوية، وسط مخاوف من أن تؤدي ظاهرة النينيو إلى تسجيل درجات حرارة قياسية جديدة.
وتؤدي ظاهرة النينيو، المرتبطة بارتفاع حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادئ، عادة إلى ظروف أكثر حرارة وجفافاً في مناطق زراعية مهمة مثل الهند وإندونيسيا وأجزاء من أفريقيا وأستراليا.
وتواجه هذه المناطق ضغوطاً إضافية نتيجة اضطرابات إمدادات الطاقة، خصوصاً مع نقص الوقود والأسمدة اللازمة للقطاع الزراعي.
وتسببت أزمة الطاقة الجديدة في إعادة فتح الجدل السياسي حول خطط خفض الانبعاثات والتحول إلى الطاقة النظيفة، حيث استغلت تيارات سياسية ارتفاع الأسعار لمهاجمة سياسات الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية.
ويرى منتقدون أن بعض الدول الأوروبية زادت من ضعفها عبر قرارات مثل إغلاق محطات الطاقة النووية وتقليل الاستثمار في إنتاج النفط والغاز قبل توفير بدائل كافية.
في المقابل، يؤكد مؤيدو التحول الأخضر أن الأزمة كانت ستكون أكثر حدة لولا الاستثمارات الكبيرة التي جرت خلال السنوات الماضية في الطاقة المتجددة وكفاءة الاستهلاك، خصوصاً بعد أزمة الغاز التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022.
وأصبحت تقنيات مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والسيارات الكهربائية أكثر قدرة على المنافسة اقتصادياً مقارنة بالسنوات السابقة، بعدما تحولت من مشاريع بيئية مكلفة إلى قطاعات صناعية متقدمة.
لكن الأزمة الحالية أظهرت أيضاً أن الانتقال السريع وغير المتوازن قد يحمل مخاطر، خصوصاً إذا لم يتم الحفاظ على مصادر طاقة مستقرة خلال فترة التحول.
وتنظر دول الخليج إلى هذا الجدل باعتباره دليلاً على أهمية الجمع بين الاستثمار في مصادر الطاقة التقليدية والجديدة في الوقت نفسه.
ودعا مسؤولون خليجيون خلال السنوات الماضية إلى تبني نهج أكثر واقعية، يقوم على ضمان أمن الطاقة مع مواصلة خفض الانبعاثات، بدلاً من التخلي السريع عن النفط والغاز.
وتتبنى دول مثل الإمارات والسعودية وعمان مشاريع ضخمة في مجالات الطاقة الجديدة، تشمل الطاقة النووية والهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية، إلى جانب استمرار دورها كمراكز رئيسية لإنتاج الطاقة التقليدية.
وتعد محطة الطاقة النووية المدنية في الإمارات، ومشاريع الطاقة الشمسية والبطاريات في أبوظبي، ومشاريع الهيدروجين في السعودية وعمان، أمثلة على محاولة بناء نموذج طاقة أكثر تنوعاً.
لكن أزمة مضيق هرمز الأخيرة أضافت تحدياً جديداً أمام دول الخليج، بعدما أثارت تساؤلات بشأن الاعتماد العالمي على ممرات بحرية محدودة لنقل النفط والغاز.
ومن المتوقع أن تدفع الأزمة دول المنطقة إلى تسريع إنشاء خطوط أنابيب وموانئ ومسارات نقل بديلة لتقليل الاعتماد على المضيق الحيوي مستقبلاً.
كما قد تعزز الأزمة توجه الدول المستوردة للطاقة، خاصة في آسيا وأوروبا، نحو السيارات الكهربائية والتقنيات التي تقلل الاعتماد على النفط.
ويرى خبراء أن العالم يدخل مرحلة جديدة لن يكون فيها الاختيار بين النفط والطاقة النظيفة فقط، بل بين أنظمة طاقة قادرة على الصمود وأخرى معرضة للصدمات.
وتؤكد التطورات الأخيرة أن تجاهل حقائق المناخ أو الاقتصاد أو الجغرافيا السياسية قد يؤدي إلى أزمات أكبر، في عالم أصبحت فيه الحرارة والحروب وأسواق الطاقة ملفات مترابطة بشكل متزايد.