كيف أسهمت جامعة الدول العربية في تصفية القضية الفلسطينية

111
ميدل ايست – الصباحية 

تأسست جامعة الدول العربية قبل 75 عاماً، وتحديدا ًفي العام 1945 بإيعاز وتخطيط من بريطانيا لحماية مصالح إمبراطوريتها، التي لا تغيب عنها الشمس، وحرصت بريطانيا على أن تعهد بالقضية الفلسطينية للدول العربية المستقلة لتتحلل من صنيعها.

ونشر موقع ميدل إيست آي (Middle East Eye) البريطاني؛ مقال تحت عنوان “كيف ساعدت جامعة الدول العربية في تصفية القضية الفلسطينية؟” للكاتب جوزيف مسعد الذي ينحدر من أصول فلسطينية ويشغل أستاذ سياسة العرب الحديثة والتاريخ الفكري بجامعة كولومبيا الأميركية.

قال فيه أنه في الوقت الذي تهرع فيه دولة إثر أخرى من دول الخليج نحو إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل؛ كان البعض يتطلع نحو الجامعة العربية لإدانة التطبيع.

ولفهم السبب الذي يحول دون أن تفعل الجامعة العربية شيئا في هذا الصدد، فعلى المرء أن يعود إلى بداياتها.

دور بريطانيا

منذ إنشائها جامعة الدول العربية عام 1945 بإيعاز وتخطيط من بريطانيا لحماية مصالح إمبراطوريتها تغيّرت جامعة الدول العربية تماما في معظم المجالات، إلا في ما يتعلق بمهمتها الرئيسية في خدمة المصالح الإمبريالية،

وعقب ثورة فلسطين (1936-1939) -أو ما عُرفت بالثورة الكبرى ضد الإدارة البريطانية للولاية الفلسطينية، والتي استشهد فيها 5 آلاف فلسطيني- ازداد العداء لبريطانيا في شرق العالم العربي، حسب جوزيف مسعد.

وتجلى ذلك بوضوح في انقلاب رشيد عالي الكيلاني في العراق في أبريل/نيسان 1941، الذي أطاح برئيس الوزراء نوري السعيد، وبالأمير عبد الإله بن علي الوصي على العرش، غير أن بريطانيا نجحت في إسقاطه بعد شهر من الانقلاب.

وفي يونيو/حزيران ويوليو/تموز 1941، غزا البريطانيون سوريا ولبنان لوضع حد لحكم الفرنسيين، الذين كانوا أرسلوا مساعدات لرشيد الكيلاني في ربيع ذلك العام.

وأجبرت تلك الهزيمة الجنرال الفرنسي شارل ديغول -الذي كان يعيش في المنفى- على منح سوريا ولبنان الاستقلال في 1943، وبذلك خضعت سوريا الكبرى والعراق ومصر وشبه الجزيرة العربية بكاملها لسيطرة الإمبراطورية البريطانية حتى قبل أن تضع الحرب العالمية الثانية أوزارها.

هاجس يطارد البريطانيين

وبحجم الكارثة التي لحقت بالفلسطينيين جراء رعايتها المشروع الاستيطاني الصهيوني -الذي سيظل هاجسا يطارد البريطانيين في المستقبل المنظور- إلى جانب تزايد المشاعر الشعبية المعادية لبريطانيا في المنطقة، كلها عوامل دفعت لندن للتفكير في وسيلة تضمن بها استمرار هيمنتها بعد الحرب، وكانت تلك الوسيلة دعم شكل من أشكال “الوحدة” العربية؛ فكان ميلاد جامعة الدول العربية.

ولعل بريطانيا ضمنت بذلك إنهاء أي نفوذ لغريمتها التاريخية فرنسا، وتعزيز مصالحها ضد أي تهديد محتمل من الاتحاد السوفياتي لنفط شبه الجزيرة العربية، وإحالة مسؤولية إدارة فلسطين إلى هذه الوحدة العربية الناشئة، حسب تعبير كاتب المقال.

وتناول مسعد بعد ذلك الأحداث الكبرى التي شهدتها المنطقة العربية والقضية الفلسطينية على مر العقود اللاحقة، وما تخللها من نشوء أنظمة ملكية وأخرى جمهورية.

مؤسسو الجامعة

وأشار جوزيف مسعد إلى أن السعودية ومصر وسوريا ولبنان وإمارة شرق الأردن واليمن هي الدول الأعضاء المؤسسة للجامعة العربية، إلى جانب فلسطين التي مثلها في ذلك الحين الزعيم الوطني البارز موسى العلمي.

وإمارة شرق الأردن هي كيان سياسي ذو حكم ذاتي كان موجودًا ضمن منطقة فلسطين الانتدابية رسميًّا منذ 1921 وحتى تاريخ إعلان استقلال المملكة الأردنية الهاشمية في 1946.

ونص ميثاق الجامعة على أن يمثل فلسطين وفد للمشاركة في أعمال الجامعة العربية لحين حصولها على الاستقلال الفعلي.

وبتبنيها فلسطين، أعفت الجامعة بريطانيا من أي مسؤولية عما سيحدث في تلك الدولة في المستقبل، وهكذا باتت الجامعة العربية مستعدة لخدمة كل المصالح التي وضعتها لها بريطانيا، وفقا لمقال ميدل إيست آي.

وكان أن حلت الولايات المتحدة محل بريطانيا في خمسينيات القرن الماضي كقوة ذات نفوذ ومصالح في المنطقة، إلا أن بزوغ نجم جمال عبد الناصر والأنظمة اليسارية الأخرى في المنطقة في تلك الحقبة وما تلاها من عقد الستينيات أدى إلى تقويض الالتزامات التي قامت عليها الجامعة العربية لصالح أجندة معادية للاستعمار.

 

المزيد : الدول العربية تفشل في استصدار قرار يدين التطبيع الإماراتي الإسرائيلي

في خدمة الغرب

وحارب الحكام العرب الذين هم في خدمة الغرب تلك الأنظمة بضراوة، حتى نالوا ما أرادوا بعد هزيمة عام 1967.

وأضفت الجامعة العربية طبعا رسميا لالتزامها الشكلي تجاه فلسطين عام 1974، حينما اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية “ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني”، وأجبرت بذلك العاهل الأردني الملك حسين على الانصياع لقرارها الجديد.

وكانت الفكرة وراء تلك الخطوة -في رأي جوزيف مسعد- تكمن في إبعاد منظمة التحرير الفلسطينية رويدا رويدا عن انتهاج سياسة ثورية، وأن تكون على وفاق مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وتطرق الكاتب إلى معاهدة السلام التي أبرمها الرئيس المصري الراحل أنور السادات مع إسرائيل عام 1979، ومقاطعة الدول العربية لبلده بسببها. ثم جاءت بعدها مبادرة السلام التي طرحها عام 1981 ولي العهد السعودي آنذاك فهد بن عبد العزيز، والتي تقوم على اعتراف العرب بإسرائيل مقابل انسحابها إلى حدود ما قبل 1967 وإنشاء دولة فلسطين المستقلة بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية.

عهد جديد

وشهد عام 1990 دخول المنطقة عهدا جديدا، تمثل في حدوث تغيير في اختصاصات الجامعة العربية، وذلك “عندما قررت الولايات المتحدة غزو شبه الجزيرة العربية لطرد العراق من الكويت في بداية 1991، فانتفى وجود الجامعة كهيئة تشاورية في خدمة المصالح الغربية الإمبريالية وأصبحت من ثم مُنفِّذة لأوامر الولايات المتحدة من دون نقاش”.

وتزامن ذلك مع تعرض منظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 1982 لهزائم عسكرية وأخرى مالية، حينما أوقفت دول الخليج دعمها المالي لها بسبب موقف ياسر عرفات من الغزو الأميركي للمنطقة، كما خسرت على الصعيد الدبلوماسي إثر انهيار الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي في 1991.

ومنذ الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين عام 2003، كثفت السعودية ودول الخليج الأخرى حملتها ضد التهديد الإيراني “المزعوم” لأنظمتها الحاكمة، وهو الخطر الذي تعتبره تلك الدول مبررا للتحالف مع إسرائيل.

التزام لا قيمة له

وساق كاتب المقال مثالا على رضوخ العرب للولايات المتحدة وإسرائيل، بما حدث في اجتماع وزراء خارجية الدول العربية الأسبوع الماضي في القاهرة؛ فقد رفض مجلس الجامعة العربية في ذلك الاجتماع النظر في مشروع قرار تقدم به وزير خارجية السلطة الوطنية الفلسطينية يدين اتفاقية السلام الأخيرة بين الإمارات وإسرائيل.

وخلص مسعد إلى القول إن التزام الجامعة العربية السابق بصون استقلال الدول الأعضاء وسيادتها “لم يعد ذا قيمة بعد أن تخلت بكل سهولة عن استقلال فلسطين والعراق لمصلحة القوى الإمبريالية والاستعمارية”.

ويرى الكاتب أن الجامعة العربية “ربما ستوفي بالتزامها الأخير قريبا بدعوة إسرائيل لتصبح عضوا قياديا في جامعة جديدة وموسعة، وبذلك يتم تصفية القضية الفلسطينية -التي ورثتها من بريطانيا- إلى الأبد”.

قد يعجبك ايضا